الغزالي

100

إحياء علوم الدين

حتى تحمر وجنتاه ، حتى قال [ 1 ] « اللَّهمّ أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيّما مسلم سببته أو لعنته أو ضربته فاجعلها منّى صلاة عليه وزكاة وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة » وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ، [ 2 ] يا رسول الله ، أكتب عنك كل ما قلت في الغضب والرضا ؟ فقال « اكتب فو الَّذي بعثني بالحقّ نبيّا ما يخرج منه إلَّا حقّ » وأشار إلى لسانه . فلم يقل إني لا أغضب . ولكن قال إن الغضب لا يخرجني عن الحق ، أي لا أعمل بموجب الغضب . وغضبت عائشة رضي الله عنها مرة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « مالك جاءك شيطانك » فقالت ومالك شيطان ؟ قال « بلى ولكنّى دعوت الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلَّا بالخير » ولم يقل لا شيطان لي وأراد شيطان الغضب ، لكن قال لا يحملني على الشر . وقال علي رضي الله عنه ، [ 4 ] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب للدنيا . فإذا أغضبه الحق ، لم يعرفه أحد ، ولم يقم لغضبه شيء ، حتى ينتصر له . فكان يغضب على الحق ، وإن كان غضبه لله ، فهو التفات إلى الوسائط على الجملة بل كل من يغضب على من يأخذ ضرورة قوته وحاجته ، التي لا بد له في دينه منها ، فإنما غضب لله ، فلا يمكن الانفكاك عنه . نعم قد يفقد أصل الغضب فيما هو ضروري ، إذا كان القلب مشغولا بضروري أهم منه ، فلا يكون في القلب متسع للغضب ، لاشتغاله بغيره ، فإن استغراق القلب ببعض المهمات ، يمنع الإحساس بما عداه ، وهذا كما أن سلمان لما شتم قال ، إن خفت موازينى فأنا شر مما تقول ، وإن ثقلت موازينى لم يضرني ما تقول فقد كان همه مصروفا إلى الآخرة ، فلم يتأثر قلبه بالشتم . وكذلك شتم الربيع بن خثيم فقال يا هذا ، قد سمع الله كلامك ، وإن دون الجنة عقبة ، إن قطعتها لم يضرني ما تقول ،